حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
211
شاهنامه ( الشاهنامه )
ذكر تبييت بيران للإيرانيين وكبسه إياهم تبييت بيران للإيرانيين قال : فوثب بيران وخرج وطير رسله ، وبثهم في الأطراف . فاجتمع اليه عسكر عظيم ، فوفر عليهم أرزاقهم وعطاياهم ، ورتبهم وعباّهم ، وركض بهم ركضة واحدة في طرق غامضة ومجاهل خافية متوجها نحو جيو كِرد . فالتقته الجواسيس وأصحاب الأخبار . وأعلموه بأن الإيرانيين قد استولى عليهم الشرب حتى إنهم يواصلون بين الصبوح والغبوق ، لا يفيقون ساعة من النهار ، وأنهم ، بما هم فيه ، في شغل شاغل عن التحرز من عدوّهم ، والتيقظ لأمر القتال لا تخرج لهم طليعة لا في الليل الدامس ولا في النهار الشامس . فاستدعى بيران أمراءه ، وقال : إنه قل ما توجد مثل هذه الفرصة . فانتهزوها وشمروا عن ساق الجدّ ، واهتبلوا غرة القوم . فاختار منهم ثلاثين ألف فارس ، وسار بهم في كتيبة خرساء بلا صوت ولا جلب ولا كُوس ولا جرس . فوقعوا على خيل الإيرانيين في بعض المروج فاستاقوها ، وقتلوا كل من كان عليها من الجوبانية والمستحفظين . وكان بين مكانهم ذاك وبين القوم سبعة فراسخ . فساروا فلما جن ّ الليل هجموا عليهم في الخيم وهم سكارى نيام ، سوى جيو ، فإنه كان مستيقظا فوثب . وكان على باب خيمته فرس مجفف ، فخرج وهو يقع ويقوم من أثر السكر ، فعلا ذلك الفرس ، وجاء إلى أبيه جوذرز ، وكان صاحيا ، فأنذره ، وجاء إلى سرادق طوس فأعلمه بالحال ، ورجع إلى خيمة ولده بيژن فأيقظه من نومه . فأطلت عليهم سحابة نحس تجيش بأسود تصرف الأعنة ، وترسل صواعق السيوف والأسنة . فما برح فيهم السيف يعمل سحابة الليل إلى مطلع الفجر . فلما أضاء النهار اجتمع طوس وجوذرز وسائر من أفلت ، فاصطفوا مع قلتهم صفا سخيفا ، ووقفوا ساعة ثم ولوا الأدبار منهزمين ، وفرّوا منخذلين ، ورجعوا على أعقابهم نحو كاسَروذ ، والتجأوا إلى جبل هناك . وكانت سيوف الأتراك في أقفيتهم إلى سفح الجبل . فأعيت دواب الترك لمكان طردهم من تلك المسافة البعيدة في تلك المدّة القريبة ، فعادوا من سفح ذلك الجبل . فصعد طوس بمن أفلت معه . وأمنوا وتفقد بعضهم بعضا فعدم أكثر الإيرانيين . فأخذوا في الضجيج والعويل يبكى الابن على الأب والأب على الابن . وبقي جوذرز يبكى على أولاده وأحفاده لم يبق لهم كوس ولا علم ولا خيل ولا حشم ولا سرادقات ولا خيم . ثم تحصنوا في ذلك الجبل ، وقالوا : لا بد من إنهاء الحال إلى الملك كيخسرو . فاختاروا منهم رجلا مذكورا ونفذوه اليه . إرجاع كيخسرو طوسا إليه فلما وصل الرسول إلى الملك كيخسرو وأخبره بما جرى على الجيش جاش صدره هما وامتلأ قلبه غما . وقد كان موجع القلب بما جرى على